ابن قتيبة الدينوري

229

تأويل مشكل القرآن

وقد اختلفوا في نفيه من الأرض ، فقال بعضهم : هو أن يقال : من لقيه فليقتله . وقال آخر : هو أن يطلب في كل أرض يكون بها . وقال آخر : هو أن ينفى من بلده . وقال آخر : هو أن يحبس . قال أبو محمد : ولا أرى شيئا من هذه التفاسير ، أشبه بالنفي في هذا الموضع من الحبس ، لأنّه إذا حبس ومنع من التصرّف والتقلّب في البلاد ، فقد نفي منها كلّها وألجئ إلى مكان واحد . وقال بعض المسجونين « 1 » : خرجنا من الدّنيا ونحن من أهلها * فلسنا من الأحياء فيها ولا الموتى إذا جاءنا السّجّان يوما لحاجة * عجبنا وقلنا : جاء هذا من الدّنيا ومن جعل النفي له أن يقال : من لقيه فليقتله ، أو أن يطلب في كل أرض يكون بها - فإنه يذهب - فيما أحسب - إلى أنّ هذا جزاؤه قبل أن يقدر عليه ، لأنّه لا يجوز أن يكون الإمام يظفر به فيدع عقوبته ثم يقول : من لقيه فليقتله . أو يجده فيتركه ثم يطلبه في كل أرض . وإذا كان هذا هكذا اختلفت العقوبات فصار بعضها لمن قدر عليه ، وبعضها لمن لم يقدر عليه . وأشبه الأشياء أن تكون كلّها فيمن ظفر به . وأما نفيه من بلده إلى غيره ، فليس نفي الخارب « 2 » من بلده إلى غيره عقوبة له ، إذ كان في خرابته وخروجه غائبا عن مصره ، بل هو إهمال وتسليط وبعث على التّزيّد في العيث والفساد . في سورة الأنبياء وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنادى فِي الظُّلُماتِ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ( 87 ) [ الأنبياء : 87 ] .

--> ( 1 ) البيتان من الطويل ، وهما لصالح بن عبد القدوس في أمالي المرتضى 1 / 101 ، وبلا نسبة في عيون الأخبار 1 / 81 - 82 ، والمحاسن والأضداد ص 38 . ( 2 ) الخارب : اللّص .